الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
79
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استعمال النهي كقولهم : لا أعرفنّك تفعل كذا . وجملة وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ في موضع الحال بتقدير ( قد ) ، أي انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حرد . وذكر فعل غَدَوْا في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدوّ النحس كقول امرئ القيس : وبات وباتت له ليلة * كليلة ذي العائر الأرمد بعد قوله : تطاول ليلك بالأثمد * وبات الخلي ولم ترقد يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان . والحرد : يطلق على المنع وعلى القصد القوي ، أي السرعة وعلى الغضب . وفي إيثار كلمة حَرْدٍ في الآية نكتة من نكت الإعجاز المتعلق بشرف اللفظ ورشاقته من حيث المعنى ، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من معانيه ، أي بأن يتعلق عَلى حَرْدٍ ب قادِرِينَ ، أو بقوله غَدَوْا ، فإذا علق ب قادِرِينَ ، فتقديم المتعلّق يفيد تخصيصا ، أي قادرين على المنع ، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع . والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول : وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [ البقرة : 264 ] وقال : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة : 4 ] فقوله : عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ على هذا الاحتمال من باب قولهم : فلان لا يملك إلّا الحرمان أو لا يقدر إلّا على الخيبة . وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان عَلى حَرْدٍ متعلقا ب غَدَوْا مبينا لنوع الغدو ، أي غدوا غدوّ سرعة واعتناء ، فتكون عَلى بمعنى باء المصاحبة ، والمعنى : غدوا بسرعة ونشاط ، ويكون قادِرِينَ حالا من ضمير غَدَوْا حالا مقدّرة ، أي مقدرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا . وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا ، دل عليه قوله بعده فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ